فرنسا تحاصر «الإخوان».. ماذا حدث في ثانوية ابن رشد؟

دخلت قضية ثانوية «أفرويس-ابن رشد» الإسلامية في مدينة ليل الفرنسية مرحلة جديدة، بعدما رفضت لجنة التشاور للتعليم الخاص إعادة إبرام عقد الارتباط مع الدولة، في خطوة تبقي المؤسسة خارج منظومة التعليم الخاص المرتبط بالدولة الفرنسية.
ويأتي القرار بعد سنوات من الخلاف بين المؤسسة والسلطات الفرنسية، على خلفية اتهامات رسمية تتعلق بمضامين بعض المواد التعليمية، وطريقة تعامل المدرسة مع عمليات التفتيش، إضافة إلى شبهات بشأن صلات بعض العاملين فيها بجهات تقول السلطات إنها قريبة من تيار الإخوان المسلمين.
وتنفي المؤسسة هذه الاتهامات، فيما لا تزال القضية مرتبطة بمسار قانوني وإداري لم يُحسم بصورة نهائية.
أول ثانوية مسلمة تحت عقد الدولة
تعود أهمية ثانوية «أفرويس» إلى كونها أصبحت عام 2008 أول ثانوية إسلامية في فرنسا تحصل على عقد ارتباط بالتعليم العام.
ويتيح هذا النظام للمؤسسات الخاصة الحفاظ على طابعها الخاص، مقابل خضوعها لشروط وضوابط التعليم العام، بينما تتولى الدولة، في إطار العقد، تمويل رواتب المعلمين والإشراف على عدد من الجوانب التعليمية.
لكن العلاقة بين المؤسسة والدولة شهدت تحولاً حاداً في ديسمبر 2023، عندما قرر محافظ الشمال إنهاء العقد، مستنداً إلى مجموعة من المخالفات التي قالت السلطات إنها رصدتها خلال عمليات التفتيش.
وألغت المحكمة الإدارية في ليل القرار في أبريل 2025، معتبرة أن الإدارة لم تثبت بصورة كافية عدداً من المخالفات التي استندت إليها، كما سجلت وجود مخالفات إجرائية في طريقة اتخاذ القرار.
إلا أن محكمة الاستئناف الإدارية في دواي ألغت هذا الحكم في يوليو 2026، ورفضت طلبات إلغاء قرار إنهاء العقد، من دون أن تفصل في جوهر جميع الاتهامات، مشيرة إلى ضرورة اتباع مسار إداري مسبق قبل اللجوء إلى القضاء.
اتهامات بشأن المناهج
وتتضمن الملفات التي استندت إليها السلطات الفرنسية انتقادات لمحتوى مادة «الأخلاقيات الإسلامية» التي تُدرّس في المؤسسة.
وبحسب تقرير إداري، تضمنت بعض الكتب المستخدمة في المادة نصوصاً اعتبرتها السلطات ذات طابع عنيف، أو مخالفة لمبادئ المساواة وسيادة القانون، إضافة إلى مواقف تتعلق بتعدد الزوجات والعلاقة مع غير المسلمين والجهاد.
كما تحدث التقرير عن محتويات تتناول الفصل بين الرجال والنساء في بيئة العمل، وأحكاماً دينية تتعلق بالردة.
وتقول السلطات إن هذه المضامين تتعارض مع الالتزامات التي تفرضها الدولة على المؤسسات التعليمية المرتبطة بها، بينما تؤكد القضية القضائية أن عدداً من هذه المخالفات لم تثبت بالقدر الكافي في مرحلة سابقة من النزاع.
التفتيش في قلب الخلاف
ولا تقتصر الخلافات على المناهج، إذ تتعلق إحدى النقاط الرئيسية بطريقة تعامل المؤسسة مع عمليات التفتيش الحكومية.
وبحسب الملف الإداري، واجه مفتشون خلال إحدى الزيارات صعوبات في الوصول إلى بعض المعلومات، كما تحدث التقرير عن وجود ملف يتضمن بيانات وتصنيفاً لمفتشين سبق أن زاروا المؤسسة.
واعتبرت السلطات أن هذه الممارسات تمثل إخلالاً بالتزامات المدرسة تجاه نظام الرقابة المرتبط بعقد الدولة، وهي من النقاط التي استند إليها قرار إنهاء العقد.
كما أثارت مكتبة المؤسسة جدلاً إضافياً بسبب طبيعة الكتب المتوافرة فيها، وما اعتبرته السلطات نقصاً في التنوع المرتبط بالمراجع المتعلقة بالعلمانية والأديان.
اتهامات بالارتباط بتيارات إسلامية
وتتضمن القضية أيضاً اتهامات رسمية بوجود صلات بين بعض العاملين في الثانوية ومنظمات إسلامية تعتبرها السلطات الفرنسية مرتبطة بتيار الإخوان المسلمين.
وتستند السلطات في جزء من تقييمها إلى علاقات مؤسساتية وشخصية قالت إنها ظهرت خلال عمليات التدقيق والتحقيق في نشاط المدرسة.
لكن هذه الاتهامات تبقى جزءاً من موقف الإدارة الفرنسية في النزاع، ولا تعني بحد ذاتها صدور حكم قضائي يثبت جميعها.
معركة لم تنتهِ
ويعيد قرار رفض إعادة إبرام العقد القضية إلى مسار قانوني جديد، بعدما شهدت السنوات الماضية أحكاماً متعارضة بين درجات القضاء الإداري.
وفي يوليو 2026، أكدت محكمة الاستئناف الإدارية أن طلبات إلغاء قرار إنهاء العقد لم تكن مقبولة بسبب عدم استكمال الطعن الإداري المسبق المطلوب قانوناً، من دون حسم جوهر جميع الاتهامات التي وجهتها السلطات إلى المؤسسة.
ومع رفض إعادة العقد في سبتمبر 2026، تبقى ثانوية «أفرويس-ابن رشد» خارج منظومة التعليم المرتبط بالدولة، في انتظار ما قد تسفر عنه الخطوات القضائية المقبلة.
وتعكس القضية في جانب أوسع الجدل المستمر في فرنسا حول حدود التعليم الخاص الديني، وشروط حصول المؤسسات الدينية على دعم الدولة، ومدى التزامها بالمناهج والقواعد التي تفرضها الجمهورية الفرنسية.




